![]() |
لم يكن الناس في حيينا سواسية أمام القانون ، كما يدعي بعض الكذبة ، بل كانوا سواسية في الحياة ككل ، لم يفكر الواحد منهم في أكثر من لقمة يسد بها رمقه و رمق أولاده إن كان له أولاد . أما أبناء الحي من العزاب، كانت تجمعهم الألفة و المحبة كأنهم إخوة ، يتحلقون زمرا خارج الحي يتندرون و يحكون الحكايات و يضحكون ، و كنا نحن الصغار نجلس إلى حلقاتهم نسكت و نسمع و نضحك في صمت ،
ونسرح بخيالاتنا في مغامراتهم ، خاصة تلك التي تدور أطوارها حول "زنقة 42" في المدينة القديمة . كانوا ينطقون هذا الرقم بالفرنسية ، و لم نكن نعلم لماذا . رددته يوما أمام خالي فصفعني حتى أصبت بالدوار ، فكانت تلك الصفعة سببا في قطيعة بين أمي و أخيها دامت سنوات ، انخرطت فيها العائلة دون أن تشعر ، حتى سمي ذلك العام " عام صفعة 42 ". و لم أدرك حساسية هذا الرقم في المجتمع" الوجدي" حتى كبرت . إذ كان الناس يتحرجون من ترقيم البلدية لدورهم بهذا الرقم . و كان لنطقه بالفرنسية حمولة تتخفى بمكر ملعون ، كلها لذة شبقية تتحلب لها أفواه شباب الحي و خاصة " ميمون قرعة " . يجلس إلى جماعته و ينصت بكل جوارحه لما يقال بخشوع المؤمنين. كنا نكرهه نحن الصغار ، لما ينهرنا و يبعدنا حتى لا نستمع لما يقوله الكبار . و كان أحب الأحاديث إلى قلبه حديث زنقة الرقم المعلوم ، و ما تكدس فيها من أسماء المومسات ، قدمن من الجهات الأربع للمملكة من خمسينات القرن الماضي ، منهن من شاخت فتحولت إلى خادمة ، و منهن من أقعدها المرض حتى ماتت ببطء ، و منهن من انتحرن ، و تحولت بعضهن إلى متسولات ، يحملن لافتات مرموزة لا يقرؤها إلا الذي عاشرهن. عرفت هذه الزنقة بأهوال القنينات الفارغة في معارك مجنونة تنشب بين قاطنات الزنقة الملعونة و بعض الزبائن الشرسين ، إذ كانت السادية تتجسد في عدد الجرحى من الجانبين ، ولم تكن الشرطة تتدخل إلا نهاية المعارك متعمدة ذلك ، و نكاية بالزنقة و أهلها . و كان " ميمون قرعة "من الذين حضروا أكثر من مرة هذه المعارك المجنونة ، و جبهته لا زالت تحمل أثر جرح غائر صنعته زجاجة فارغة طارت في الهواء بجنون تبحث عن هدف لم يكن سوى " ميمون " و من ثمة جاءت تسميته ب " قرعة " أي الزجاجة . ذهب ذات مساء زائرا مشتاقا حتى وجد نفسه في قلب معركة مجوسية اشتعلت نيرانها حارقة كل من صادفته ، كانت بطلتها ، هذه المرة ، كبيرة المومسات و أقدمهن في الزنقة " وردة " ، تلاكم مثل رجل و تقذف الحجارة و القنينات بتصويب لا يخطئ في الغالب ، و تحفظ قاموسا من السباب القذر، لكنها كانت بدينة و جميلة ، و هو النوع الذي كان يفضله " ميمون " ، لذلك لم يعاشر غيرها في الزنقة ،بل لم يحل له الكلام إلا عليها . و إذا كنت ترغب في محبته لك ، اسأله عن " وردة" و عن مغامراته المجنونة في بيتها حتى الهزيع الأخير من الليل. بقي "ميمون " يذكر " وردة " بحزن و شوق شديدين ، بعد رحيلها من الزنقة و من المدينة . بقي يسأل عنها مدة طويلة ، و أقسم أمام الجميع أنه لو عرف مكانها للحق بها و تزوجها . " وردة الورد " هكذا كان يقول . و من أغرب أقواله ما قاله يوما مناقشا بعض الطلبة من أبناء الحي حول تاء الاسم لبعض الكلمات ، إذ قال لهم لماذا تكتبون التاء مربوطة لكلمة وردة و زهرة و ياسمينة... ؟ اكتبوها مطلوقة متحررة حتى يفوح الأريج أكثر فأكثر . ضحك الطلبة من كلامه و وعدوه أن يرفعوا مقترحه إلى مجمع اللغة العربية بالقاهرة . تمنى " ميمون " أمنيتين في حياته ، أن يتزوج من " وردة " ويخرجها من زنقة 42 المشؤمة ، و أن يخيط له خياط المدينة بذلة يلبسها ليلة دخلته بها. و من كثرة حديثه عن وردة و البذلة ، كانت أحلامه ليلا، لا تخرج عن نطاقهما ، حتى اعتقد أنه بالفعل لبس البذلة الحلم و سافر ، و ادعى فيما بعد أن أحد اللصوص من أبناء الحي سرقها من أعلى السطح ، و باعها لأحدهم ، شاهده في" الجوطية "يلبسها ، و لم يملك حجة على أنها بذلته ، فبكى بحرقة . لكن الكل في الحي كان يعلم أن ميمون ما لبس بذلة قط ، و حتى الخياط ، و كان من أبناء الحي ، أكد لمن سأله عن البذلة ، نفيه القاطع أن يكون قد خاط بذلة لميمون ، بل ميمون هذا خاطها في خياله و لبسها المسكين في أحلامه . أما عن " وردة " فسأله أحدهم بمكر " متى كنت تعاشرها ؟" ، رد ميمون " حتى تثمل في الهزيع الأخير من الليل " . فتأكد الجميع من هذيان ميمون و جلوسه، في زنقة 42 ،على كرسي الاحتياط
. ذ. محمد مباركي / وجدة / المغرب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق