ذ . محمد مباركي / وجدة / المغرب
تحول أحد أصدقائي إلى قطّ مرقط قوي.. منذ ظهوره أول مرة فوق السطوح هابته كل قطط الحي، وجفل الأطفال من موائه الحاد.. كان يمشي مشية نمر آسيوي .. كنت أبتسم له، فيردّ عليّ بابتسامة خبيثة تخرج من بين لحييه.. كنا نفترق صباحا لنلتقي مساءً.. نسمر إلى الهزيع الأخير من الليل.. كان يحكي حتى ينشف ريقه، فأصبّ له ماءً باردا في صحن بلاستيكي ليروي ظمأه.. وكلما أبديت مزيدا من الاهتمام والدهشة لما يقول، زادت حماسته في الحكي أكثر..
حكى لي في اليوم الأول ما شاهده فقال:
خصصت هذا اليوم في تجوّلي لهامش من هوامش المدينة.. انتظرت في المحطة مع المنتظرين.. أثرتُ انتباههم.. لمّا صعدوا إلى الأوتوبيس ككتلة بشرية ملتحمة، سمعت سبابا آدميا لا يمكن للحيوانات أن تتفوه به.. صعدت في أثرهم وكلي حيطة وحذر.. انتبه إلي بعضهم فتصايحوا:
" أنظروا ! قطّ مرقط يركب الأوتوبيس.. ما أجمله !!".
دغدغ هذا الإطراء دواخلي.. فسحوا لي الطريق.. ومسح بعضهم على ظهري، فرفعت ذيلي وقوست ظهري شاكرا.. أخذت مكانا قرب المقاعد الأمامية وبركت.. نظرت إلى الآدميين من تحت، فبدوا لي كعمالقة بلاد كنعان، لكن روائح أرجلهم كانت كريهة رغم أحذيتهم اللامعة..
نزلت مع النازلين في المحطة الأخيرة بحي "للا زغلولة".. أول ما قمت به، في غياب أطفال هذا الحي، فرضت هيبتي على كل القطط و الكلاب.. إذ فتكت بثلاث قطط وكلبة.. فانتشر خبر شراستي في الحي بالسرعة التي توقعت.. و كسبتُ رهان الاحترام..
تسلقت بخفة سور أول منزل واطئ.. و بدأت لعبة التلصص على الخلق من فوق هذه المرة.. بدوا لي مثل بيادق تتحرك لوحدها فوق رقعة شطرنج.. كانوا أقزاما.. لا ينتفضون ولا يثورون على الغبن..
راقبت أول أسرة.. كانت الأمّ، بالترغيب والترهيب، تحثّ أبناءها على الإسراع في الذهاب إلى المدرسة.. و ثلاثتهم يرفضون الخروج دون تناول وجبة فطور الصباح.. مدّت كلا منهم قطعة سكر، فرموها أرضا.. استندت الأمّ إلى الحائط وغرست في أجسادهم الضامرة نظرات تراوحت بين الحيرة والغضب،
وهم يضربون الأرض بأرجلهم ويصيحون:
" نريد الشاي والخبز !! نريد الشاي والخبز !!".
خرجت الأمّ وطرقت باب جارتها.. سمعتها تناديها "للا سعدية"، وسألتها سؤالا تعودت أن تسأله إياها..
ودون أن تنطق جاءتها الجارة ببراد الشاي فارغا إلا من "لقامة".. وهي ما بقي من الشاي والنعناع في قاع البراد.. شكرتها المرأة شكر كلبة.. لو كان لها ذنب لبصبصت به.
صبّت الأمّ على "لقامة" الماء المغلي وأضافت إليه قطعة سكر وقبضة نعناع، وأعادته يغلي على نار "المجمر"، ثم صبّت شايا لونه بين الحمرة والصفرة في كؤوس متوسطة وقالت "اشربوا!".. احتسى الأطفال الشاي بأرغفة خبز سوداء.. وابتسموا مزهوين بانتصار حققوه على أمّهم.. والتقطوا قطع السكر وخرجوا يمصمصونها ويتلذذون.. والأمّ عند الباب تشيعهم بنظرات جامدة كالحديد، ودمع حارق كالصُهارة.
قفزت إلى الزقاق الثاني ، شاهدت بعض النسوة يغمزن المارة.. نظرت إلى داخل الحوش، فهالني رؤية أطفال صغار تخرجهم أمهاتهم نصف نيام من غرف "العمليات"، و تضعنهم عند الأبواب كالجراء، وتغلقن الأبواب لتلبية رغبة الزبناء.
في الزقاق الثالث راقبت "خنزيرا" يُلبس بنتيه وأمّهما الأسمال ويأمرهن بالخروج.. و يهددهن بالعقاب إن هن لم يأتين بالمبلغ المعلوم.. كرهته وتربصت به لأخدش وجهه على الأقل، لكنه فطن لوجودي وهددني، فاختفيت عن ناظريه، و أقسمت بأغلظ الأيمان ألا أتركه حتى أرى ماذا سيفعل.. سمع الملعون طرقا خفيفا على الباب، فهرول مبصبصا بمؤخرته، مبتسما، ومفرّكا كفيه.. فتح الباب واستقبل مومسا شابة.. شاركته بذخ يومه.. أكلا الشواء واحتسيا الخمر واقترفا ما أمر به الشيطان.
في الزقاق الرابع، تلصصت على محترف صغير لصناعة الحشيش وتقطيعه ولفّه في البلاستيك.. رأيت العمال يضيفون إلى معجون الحشيش بعض المستحضرات الصناعية ك "السيليسيون" وحبوب "القرقوبي المهلوسة" المهربة من الجزائر..
أصبت بالعياء الشديد، فقررت العودة.. ركبت الأوتوبيس، ومن سوء حظي اعترضته عصابة مسلحة بالسيوف سلبت الركاب كلّ ما يملكون.. و قبل أن أسقط في أي مكروه قفزت من النافذة وعدت جريا إلى الدار..
في اليوم الثاني، نهضت متثاقلا من فراشي، وتوجهت إلى حي "سعدون" الراقي.. كان خاليا ونظيفا.. بناياته فيلات واسعة.. ساكنته قليلة.. الناس يتكلمون فيه همسا.. يخرجون في أناقة عالية كأنهم ذاهبون إلى حفل.. بنباحها المخيف تكسر كلابه المدربة الهدوء.. في الحقيقة خفت أن أفعل مثل ما فعلت في حي
"للا زغلولة".. كنت أمشي جنب الحيطان.. و مرة قفزت إلى حائط قصير ومنه قفزت إلى حديقة زاهية بالورود والعشب. لم أشعر كيف ارتمى علي كلب من نوع "راعي الغنم الألماني" وعضني عضة مسمومة آلمتني.. أخشى أن أحمل أثرها لما أعود إلى طبيعتي الآدمية.. هربت ولعنت الكلب..
لكن الذي أنساني العضة ذلك الوجه المليح لقطة شيرازية فارسية " بمعطف فراء كثيف مرن منسدل على جسم رشيق أبيض، ورأس مستدير وعينين برتقالية اللون واسعتين نبيهتين". كانت ممدد على حائط قصير لفيلا سيّدها، تنظف فروتها أما أشعة الشمس الدافئة.. قلت لها:
- صباح الخير يا جميلة.
ردّت علي بأدب أميري:
- صباح الخير يا جميل.. أنت غريب عن هذا الحي، من أين جئت؟
قلت ممازحا :
- جئت من حي الإنس.
ردّت باسمة :
- من حي الأُنس أم حي الإنس؟
- من حي الإنس آ للا.
- كلها أحياء الإنس.. أنت تخفي سرا تحت جلدك ؟!
قلت لها في نفسي "لو تعلمين ما أخفي تحت جلدي لوليت مني هربا".
تواصل الكلام بيننا وتشعب حتى سمعت سيّدها يناديها باسمها مرتين:
- " مينوشا.. مينوشا.. تعالي يا عزيزتي"
فودعتني ولوحت لي بقائمتها ثلاث مرات.
أوه يا صديقي إن الحب في عالم الحيوان لا يقل عن الحب في عالم الإنسان. وأخاف أن أحمل حبّ "مينوشا" في قلبي حين أعود إلى طبيعتي الآدمية.
وبوداع "مينوشا" ختمتُ جولتي وقفلت راجعا، لكن عند المنعطف، صادفت ثلاثة آسيويين بوجوه عريضة، وخدود بارزة، وعيون لوزية الشكل.. وقفوا حين رأوني.. تغامزوا وتخابروا.. ونظروا يمينا ويسارا..
فصرخت :
- يا مّا!! ماذا يريدون؟! الهروب.. الهروب..
وهربت بأقصى سرعة.. تحولتُ إلى قطعة صابون "مارسيلي"، واندلقت في شوارع المدينة حتى وصلت إلى الدار، وانتظرت ساعة تحولي إلى طبيعتي الآدمية..