الاثنين، ديسمبر 14، 2009

من أب فرنسي و أم إيطالية


 ذ.محمد مباركي
   

الإهداء ..
  إلى كل جلسائي في مقهى أنوال / إلى الأستاذ سي محمد بورقبة / إلى الأستاذ سي حسين سونة     كنت اجلس في المقعد الأول ، قرب مكتبها ، في القسم العاشر في الطابق الثاني من هذه الثانوية العريقة التي تخرج منها العمالقة و الأقزام على السواء . نظرت إليها بعينين أبرقتا عصافير الشوق ،

رفرفت حول الجسد الممشوق مرحبة بالتمر و الحليب و باقة من الورد الأحمر. ما وعيت حرفا مما كانت تقول ، همت في خيالات لا حدود لها ، كصحراء مترامية كالمحيط . وكزني صديقي سي محمد بورقبة قاطعا علي هذا السفر المعتوه ، قال " لي أين سرحت أيها الماكر؟ " ، فرددت عليه بابتسامة ظاهرها ود و باطنها عتاب . لاحظت أستاذتنا هذه الوشوشة الخفية ، فنبهتنا بكلمات رقيقة رقة شفتيها القرمزيتين، فانتبهنا انتباه عسكريين منضبطين ، و صمتنا و طال صمتي كراهب في صومعة ببادية الهلال الخصيب، حتى انتهت حصة اللغة الفرنسية و تمنيت ألا تنتهي ، ففي نهايتها بداية رحلة من التيه . و في هذا الصباح الخريفي أين تقلب الطقس عدة مرات ، خرج زملائي من القسم و كنت آخرهم في الخروج ، استوقفتني أستاذتي المحبوبة لتؤنبني على سهوي في الفصل الدراسي ، هكذا اعتقدت و اعتقد الآخرون ، لكن الكلمات التي أسرت بها في أذني ،و هي منحنية علي حتى شممت رائحة عطرها ، كان باريسيا و رب السماء . لم تكن كلماتها تأنيبا أو عتابا ، كانت شيئا آخر لا يخطر على بال صديق سي محمد بورقبة . صحيح أنه كان يصفني بالماكر ، لكن مكر هذه المرة، كان فوق كل ما يمكن أن يتصوره. كم سررت في داخلي و أن أتخيل وقع المفاجأة عليه مما سأقول له ، سأقول له شيئا قليلا مما قالت و ليس كل ما قاله لي . عند خروجي من القسم ، و أستاذتي تشيعني بنظرات لم أفهمها في حينها ،و جدت صديقي يترصدني في الساحة و عيناه تسألني قبل لسانه باللهفة المشبعة بالقلق ، قلت له ممازحا " ابتعد عني أيها الظل لحظة واحدة " رد بضحكة مجلجلة " و الله لن أتركك حتى تقول لي ماذا قال لك جميل الأوصاف " ، بهذا اللقب كنا ننبزها ، و كانت كذلك . شقراء بقامة هيفاء منحوتة في جلمود ، و عينان زرقاوان تبرقان الشهوة و ترسلها شحنات كهربائية ترعش جسدي النحيل ، و صوت أرخم من هديل الحمام . قلت لصديقي " يا وحي ، من أين أبدأ لك الحكاية ؟ من النهاية إلى البداية ، أم العكس ؟ أيهما تفضل ؟ . لم ينبس و بقي مشدوها ، صامتا ، يحملق في وجهي بعينين جاحظتين راكضتين مسافة العشرة آلاف متر على الحلبة الفاصلة بيني و يبنه ، كأنه يراني لأول مرة . دهشت لمنظره فصحت فيه " سبحان الله " ، فاستفاق و اقترح علي أن نطأ حصة البلاغة و العروض المملة كمدرستها المتحفزة للعدوان ، عيناها تتقدان باللهيب ، لا تنطق إلا الشر و لا تلبس إلا السواد و ما جاوره ، عانس في الخمسين ، كنا نكرهها و نتعجل انتهاء حصتها . خرجنا من الثانوية ، بعدما تمارضنا أمام السيد الحارس العام ، و استأذناه في الخروج ، فسمح لنا رحمه الله .. دخلنا الحديقة المجاورة للثانوية ، تمشينا لحظة، ثم جلسنا على كرسي إسمنتي ، و صديقي لا يزال يلتهمني بنظرات من أم رأسي حتى أخمص قدمي . بدأت سرد الحكاية بكلمات لم تكن مخلصة في معانيها لما وقع ، و ما وقع لم يكن بالشيء القليل . قلت له " أتذكر أول حصة في مادتها ، ماذا قالت و هي تقدم نفسها لنا ؟" . هز رأسه بالنفي . قلت " قالت أنها من أب فرنسي و أم ايطالية صقلية ، أين ترك العرب نطفتهم امتزجت بدماء الصقليين، قالت أنها قريبة منا دما . فجاءت كلماتها كالسحر أثقل موازيننا ، و لم نفكر لحظتها التعريض و النيل منها كما كنا نفعل مع غيرها . سألته ، أتذكر ؟ " أتذكر لما دعتنا إلى شقتها لتقدم لنا دروسا في الدعم ؟ " هز رأسه هذه المرة بالإيجاب ، سألته " كم مرة ذهبنا ؟ " ، أغمض عينا وفتح أخرى نابشا في ذاكرته ، و بدأ يعد و أنا أراقبه بمكر ، ذكر بعض الأعداد .. خمس أو ست مرات .. قلت " بل سبع مرات " ، أقر العدد مستعجلا متلهفا لما هو " أفيد من الكلام ". قلت له " يا صديقي لما خرجنا من شقتها في أول زيارة ، غافلتك و رجعت بأمر من كامل الأوصاف .. تريثت قبل أن أطرق الباب ، وقفت كصنم .. استبطأتني.. و فتحت الباب ، و خطفتني حتى قدت قميصي من قبل و أنا في خشوع الأموات ، كانت خارجة على توها من الحمام ، تلبس غلالة وردية شفافة ، كشفت عن جغرافية السهول و الأخاديد و النتوءات ، قرأت مفاهيم التضاريس ، و فككت رموز الكتابة السومرية على ألواح الجسد المسجى أمامي ، و انبهرت و جننت ، و فوق سرير وثير، و بأسلحة بدائية دخلت معركة من حرب غير متكافئة طال أمدها ، خسرت نهايتها بعدما قاومت ،. و أنا الآن أسير أستاذتك مصفد الأيدي و الأرجل. قالت أنها ستسافر بي نهاية السنة الدراسية إلى ما وراء البحر ." سألني صديقي " و هل وافقت ؟ " أجبته بسؤال " وهل للأسير حق الرفض و القبول

ليست هناك تعليقات: