إدريس أنفراص - حكاية من خلالها يتم استرجاع تاريخ وطن
2015-02-06 21:29:23
إدريس أنفراص
تعتمد رواية "رائحة التراب المبلل" للقاص والروائي المغربي محمد مباركي على الحكاية أساسا لبناء عالمها الروائي من خلال أحداث ووقائع تسردها الرواية على طول صفحاتها...إن الحكاية أو مايمكن أن نطلق عليه هنا "الحدوثة" لم تكن في رأينا غاية في حد ذاتها بل إنها كانت مرتكزا لبناء عالم الرواية ونسج أحداثها بمهارة فائقة تجلت في انسياب الحكاية وجريانها وشدها لعقل القارىء بقوة ولذة في الحكي والبناء.
هي حكاية تبدو بسيطة تروي عن مسار شاب إسمه"عسو" منذ ولادته ونشأته إلى هجره لقريته والسفر أو الرحيل إلى قرية أخرى توجد في شرق المملكة(المغرب) حيث سيؤويه أهلها ويجد عندهم ما كان يفتقده في قريته التي ولد فيها..
سيحتضنه"محند وعلي" الذي نحر خروفا من أجل الوافد الجديد والذي سيعطيه اسما جديدا هو "سعد" وضمه إلى أبنائه ليكون واحدا منهم.عند أسرة محند وعلي ستتبدل أحوال سعد,فسيصير له إخوة,فيسمع لأول مرة كلمة"خويا"(أخي),بعدما كان وحيدا في قرية "تغسال "إلى حد أنه تساءل"هل القوم ملائكة تمشي على الأرض" ص60..وخصه مشغله الجديد محند وعلي حين عين له خمس نعاج بحملانها وقال له ضاحكا:"هذه نعاجك ياسعد" ص 60 من الرواية..
سيحتضنه"محند وعلي" الذي نحر خروفا من أجل الوافد الجديد والذي سيعطيه اسما جديدا هو "سعد" وضمه إلى أبنائه ليكون واحدا منهم.عند أسرة محند وعلي ستتبدل أحوال سعد,فسيصير له إخوة,فيسمع لأول مرة كلمة"خويا"(أخي),بعدما كان وحيدا في قرية "تغسال "إلى حد أنه تساءل"هل القوم ملائكة تمشي على الأرض" ص60..وخصه مشغله الجديد محند وعلي حين عين له خمس نعاج بحملانها وقال له ضاحكا:"هذه نعاجك ياسعد" ص 60 من الرواية..
عسو الذي فارق قريته"تغسال" هربا من العار الذي كان يرميه به أهل قريته,هرب منها يبحث عن الخلاص من ذلك العار الذي التصق به"ابن زنا"..كان يمشي ويلتفت وراءه متمنيا أن تغيب من عينيه,كان يمشي وهو يريد أن يتركها وراء ظهره بكل ماتعنيه له من كلام جارح وعيون تسلط عليه سياط الإزدراء والإحتقار ..كان يريد عند مغادرته للقرية أن يمحوها من ذاكرته,وإن لم يستطع ذلك الآن,فهو يترك أمر محوها عنها للأيام وللزمن الآتي..
حكاية عسو و"سعدية" الشابة التي تعيش في كنف جدتها مع خالها"قدور" الذي نجا من الوباء الغامض الذي أودى بحياة إخوته الثلاثة,هي ثمرة حب بين "رابحة" أمها وأبيها "العيد",أبواها اللذان ماتا بعد سنة واحدة من الزواج بسبب نفس الوباء الغامض وكانا هما أول من اختطفهما الوباء عند ظهوره..سعدية هذه هي من ستكون رفيقة حياة عسو\سعد في حياته قبل أن تختطفها يد المنون وهي تمنح لزوجها المتيم بجمالها بذرة من رحمها اشتركا في خلقها..ولأن فرحة عسو\سعد في الحياة لاتتم دوما فإن وفاة زوجته سعدية ستقلب حياته من لحظتها الآن إلى بدايات البؤس واليأس والإنهيار..
"رائحة التراب المبلل" رواية كما سبق الذكر تجعل من الحكاية مرتكزا للغوص في حياة قرية وفي حياة الناس الإجتماعية والسياسية والثقافية ومعتقداتهم الدينية وسلوكاتهم في مابينهم وفي مابين من يحيطون بهم من جيران وأقارب.هي رواية عن قرية مغربية في فترة من تاريخه الماضي,قرية يعيش فيها ناس على معتقدات سائرة بينهم,تعم بينهم الخرافة والشعوذة والإيمان ببركة الأولياء الصالحين,واستجدائهم لقضاء مآربهم وأغراضهم,فالفقهاء هم من يطببون المرضى ويحلون"العكوس" (النحس) التي تصيب أهل القرية,وهم من يساعد على فيض البركات والخير ووفرة المنتوج والغلل الزراعية في حقول الزرع وفي أشجار الثمار والفاكهة..هذه الطقوس التي كان يسخر منها "موريس" صاحب الضيعة الفلاحية في القرية وأحد المعمرين في المنطقة" كان الخبيث يضحك في قرارة نفسه من طقوسهم وعبادتهم للأموات في وثنية تشربوها من آبائهم وأجدادهم ويعملون على تشريبها لأبنائهم" ص94..مع العلم أن "موريس" نفسه رغم استهجانه للفعل كان يساهم بتقديم الذبائح لنحرها على الضريح ويسألهم الدعاء,وهنا إشارة واضحة إلى أساليب المستعمر الذي كان يزدري أفعال السكان"المتخلفين" كما يراهم لكنه في نفس الآن يسايرهم في مايفعلون وفي مايعتقدون بل وكان يشجعهم على التمادي في ذلك بمدهم بالمساعدات التي تكون في متناوله..وفي الرواية صفحات عديدة تنقل واقع البادية المغربية في تلك الفترة من التاريخ بطقوسها وبأحوالها وبلغة أهلها والتقاليد والأعراف التي تسود بينهم,وقد توفقت الرواية في ذلك بشكل كبير يثير الإعتزاز بقدرة الكاتب على نسج عالم روائي يتضمن أحداث ووقائع تلك الفترة سياسيا واجتماعيا وثقافيا..رواية استرجعت فترة من تاريخ البلد ربما لتتساءل" هل تغير شيء من هذا الآن ,في هذه الفترة التي انكتبت فيها الرواية؟الإشارة إلى الماضي من التاريخ هو في اعتقادنا لمساءلةالحاضر عما تبدل وعما تغير وماهي الحالة الآن..من أجواء لغة أهل تلك الفترة من تاريخ المغرب نورد هذا المقطع شاهدا"تكلم محند وعلي قائلا:"آقدور,آنسيبي,جئنا نخطب سعدية لسعد,هو كما تعلمون أنزلته منزلة واحد من أبنائي,وهو من طلب مني خطبة البنت,فماذا تقول؟"
ياعمي محند..سعد واحد من أبنائك وسعدية واحدة من بناتك,الأمر كله لك" أحس الرجل بهذا التشريف من صهره فرد عليه:"بارك الله فيك ياقدور,سأحضر الجماعة ونقرأ الفاتحة والله يسخر"..ص 150
لقد كانت الرواية دقيقة ومحيطة بالأوضاع السياسية والإجتماعية والثقافية والدينية للفترة التي تناولتها لتكون فضاء لتحرك أبطالها وشخصياتها, أوضاع عامة استطاع العمل الروائي أن يقبض على تفاصيل كثيرة مهما بدت صغيرة في حياة الناس وفي عيشهم وفي علاقاتهم بأنفسهم وبالآخرين وبالحياة.. تمكنت الرواية من رصد وتشريح تاريخ إجتماعي وسياسي لوطن من خلال حكاية شاب وشابة رافقتها الرواية في حياتهما وفي وفاة أحد طرفي الثنائي(سعدية) ونهاية طرف آخر ( عسو\سعد)إلى الغموض..لقد كانت نهاية سعد الغامضة,ومآل الجنون والتيه اللذين آل إليهما’ ليس في الحقيقة إلا استمرارا لحياة الطفولة الأولى.بدأها ضائعا لما لم يعترف به والده ويتحمل مسؤولية إنجابه تحت ضغط والده"الكبير" فعاش الطفل"عاريا" من رعاية أبوية,لينتهي إلى نفس "العراء " في آخر الحياة,عند الكبر لما إعتقد أن الحياة قد تصالحت معه بفضل جهوده وكده في الإشتغال ليبني حياته الخاصة مستقلا بذاته وكيانه وليشعر بوجوده,..في هذه الأثناء تشاء نفس الحياة أن تمد إليه يدها كي "تعريه" مرة أخرى من أعز إنسان إلى قلبه وممن كانت تمنحه المعنى لوجوده وعيشه وبقائه في الحياة...حياة بدأت معه بالضياع وانتهت به إليه...
لقد أشارت الرواية إلى قدرة الكاتب محمد مباركي بالإحاطة بتفاصيل المرحلة تاريخيا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا ودينيا, وهذا ليس وحده بل إن براعة الكاتب تبدو كذلك في نسج فضاءات تحرك الأبطال أي الأمكنة وجغرافيتها..كانت هناك عين ثاقبة وذكية في اختيار الأماكن والجغرافيا التي تدور فيها الأحداث,وهذا في اعتقادنا ليس غريبا على قاص وروائي أنتج عمله هذا" رائحة التراب المبلل" بعد سلسلة من القصص والروايات وكذا لثقافته في التاريخ وفي الجغرافيا.........\
إدريس أنفراص Anfras driss
رائحة التراب المبلل: رواية محمد مباركي الطبعة الأولى 2014 عن دارالنشر أفريقيا الشرق الدار البيضاء....
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق